كيان جديد يتشكل

لاندري مالذي حدث للبعض منّا, هم أشقاء لنا, وهم جار لنا, وهم جزء من تاريخنا وتراثنا, لمَ يَنأَونَ بأنفسهم بعيدا عنّا, تساؤلات حائرة لابد لها من إجابات .
كان النظام العالمي في السنوات السابقة يكرس لصعود الأسلام السياسي بهدف شقّ الصف العربي, من خلال تكريس الفتنة وتمكين العنصرية والطائفية كوسيلة وأداة للفرقة وتمزيق وحدة الصف بين الشعوب العربية ومن دون مواربة ولاخجل وهو امر بات معلوما للجميع .
ولكن النظام العالمي اليوم أخذ يمشي بخطوات مبتعدا عن هذا التوجه وهو ما لمسناه من خلال بعض التوجهات والأفعال, لقد تغيرت إتجاهات الريح وبات الإرهاب الذي ساعدوا في خلقه وتمدده بالأمس, يطرق أبوابهم اليوم ويهدد أمنهم وسلامهم الإجتماعي وبقسوة وإصرار .
تمكنت بعض الإنظمة من العيش ووجدت تربة خصبة لها في ظل ذاك الوضع, وخلقت لنفسها منطقة رمادية لتلعب فيها على كل الحبال, وتلبس وجوها متعددة, هنا وجه ووجه آخر هناك, وتوجه آخر هناك وهناك وهناك, أدوار تناقض وأدوار, لَعِبَتها ولاتزال على كل الإصعدة ومختلف الجبهات, وكأنها جزء فاعل وأصيل في مخطط الفرقة والتفتيت والتي كانت نتيجتها ما نعيشه من فوضى ودمار .
االشقيق الخليجي والعربي دولة قطر, إختارت قيادتها ركوب المخاطر والصعاب والمجازفة بمقدرات شعبها في لعبة ورهان خاسر بكل الحسابات كطرف فاعل وراع للإرهاب ومنذ سنوات .
إن الحصار و”المقاطعة” السعودية والإماراتية والبحرينية والمصرية, سياسيا وإقتصاديا هي أكبر من أن تقف بوجهها أو تتحمل أعباءها دولة صغيرة “كقطر”, ولكنها ومن المحزن جدا إختارت القفز الى مركب إيران الغارق, إيران التي تكَشَّف للعالم وجهها القبيح في دعم الإرهاب, إيران بنظامها الذي يتخذ من الإجرام منهجا وآيدلوجية للتمدد والهيمنة وعلى حساب ومقدرات وأمن دول الجوار .
إن سبب دهشة الكثيرين, أنظمة ومؤسسات وشعوب, وتفاجأهم من المقاطعة وهذا الحصار, هو بسبب طبيعة السياسة السعودية والإماراتية المحافظة جداً والتي تتميز بالهدوء والحكمة وشدة التحمل, وعبر عقود وعهود طويلة, وبأنها تصبر على “جار السو” وتركن دوما لتغليب العقل والمنطق والتعويل ودوما على العمل على إصلاح الآخر, وبكل الوسائل المتاحة لاجل إحلال السلام, ونتيجة كل هذا علينا أن نتصور حجم الكوارث التي سببوها وتحملتها هذه الدول وغيرها حتى طفح الكيل, والتي أوصلتهم الى مثل هذا القرار .
الملك سلمان والرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد, يتمتعون بالكثير من الحلم والصبر والحكمة والتبصر والكثير الكثير من حسن المعاملة, وسمو ورفعة الأخلاق, ولقد تحملوا الكثير, وعملوا أكثر في سبيل الأصلاح وتعديل المسار, وعوَّلوا كثيرا على روابط الدم والتاريخ والكثير من المشتركات, لقد دفعت شعوبهم أثمان كبيرة وغالية ومن خيرة شبابها نتيجة التآمر ورعاية الإرهاب, ولكن لم يعد للصبر والتروي والحكمة من مكان مقابل هذا الكم الهائل من الدماء والجرائم والدمار, فقد بلغت القلوب الحناجر, وأصبح هذا الشقيق الصغير يمثل تهديدا حقيقيا وفاعلا للأمن القومي والإقليمي الخليجي والعربي, وباع نفسه وإرتمى بأحضان الشيطان .
مركب ايران يغرق رويدا رويدا ومن يقفز اليه طلبا للنجاة لابد وأن يكون قد فقد التوازن تماما والإتزان, ولكل من لديه وصف آخر, أن يصفه كما يشاء ..
الوقت سلاح ذو حدين, وخصوصا في خضم الأزمات, وحالة التهور والتسرع والغضب, ويؤدي حتما الى نزق في الفكر والى ردود أفعال غير محسوبة التبعات والمخاطر, وها هو اليوم طرف ثالث يتلقف الخيط, وهو الجانب التركي وفرصته للتواجد المكثف على أرض ومياه الخليج العربي, كما قفزت من قبله بيومين الى قلب المشهد أيران ..
لم نقرأ في التاريخ مثل هذا الكم من الأضداد يجتمعون معا في مكان واحد وعلى بقعة صغيرة من الأرض, لايوجد بينهم أي مشتركات فكرية وآيدلوجية, بل تتقاطع مصالحهم وأجنداتهم في كثير من القضايا الإقليمية والملفات, ولكنها كما يبدو هي الفوضى الخلاقة والتي يشترك في تنفيذها كل هؤلاء الفرقاء, وكأنهم خلايا نائمة كانت تعمل سنينا وهي بيننا, ضدنا ومنذ عقود في الخفاء ..
المشهد يزداد تعقيدا وربما يؤدي الى خلق كيان جديد شبيه بإسرائيل في المنطقة, والتي زرعت في قلب الوطن العربي, ولكن هذه المرة في قلب مياه الخليج العربي ..
لاطريق ولا منجاة ولا مناص أمامهم سوى أن يعودوا الى الصف الخليجي والعربي وجادة الصواب, ولكن سيبقى وسيظل السؤال الأكبر والأهم, كيف ومن بالتحديد سَيدفع ثمن كل الجرائم التي تسببوا فيها, ومن سيتحمل عنهم عبء كل هذه الآثام, وهذا الكم الهائل من الضحايا وسفك الدماء ؟؟.. وشكراً .
مؤيد رشيد / كاتب

انتقل إلى أعلى