في زهور الأشواك آيات

في صور ذهنية متحركة مسترجعة من ذكريات الطفولة والتي مضى عليها أكثر من عشرين عام تقريباً ولم يظهر الوجه الآخر من هذا الموقف إلى الآن حيث استنتج العقل واقتبس فكرة مستوحاة مما رأته العين في تلك اللحظات التي حدث بها ذلك الموقف الذي صور مجموعة من الناس في صورة حقيقية لحقيقة الحياة الدنيا وقد سبق القرآن الكريم كل البشر والخلائق بتوضيح كل حقائق الكون في كلام العليم الخبير ، وحين قال الله تعالى ” المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا” الآية ، فقد أكدت الآية الكريمة ولونت أفكار صورتي الذهنية التي قرأتها متأخراً من مقطع لطيف حدث كما قلت قبل عشرين عاماً ، وكأنك بشوق لمعرفة تلك اللقطات التي استنفرت أكثر من سبعة عشر رجلاً وطفلتين للبحث لأكثر من يومين ليلاً ونهاراً لا يفصلها إلا الوقت للأكل والقليل من النوم وسط إلحاح وحرص شديد ودعاء والتنافس لكسب جائزة المنتصر بجزء يسير مما يتم العثور عليه .
حيث كان موقع الحادثة في قريةٍ ريفية معزولة الخدمات نهائياً وسط تباعد المساكن التي تتألف من غرفة واحدة لكل بيت أو غرفة واحدة من القش والطين وتختفي معها الحواجز الفاصلة بين كل بيت والبيت الآخر وفعلاً تختفي كل الحواجز الطبيعية والحواجز الرسمية بين قلوب أهلها ويكتفون بالاحتماء بأشجار الآراك أو أشجار الأشواك الممتدة على ضفاف وادي القرية إلى وسط البيوت ومن الجهة الأخرى تخفف عليهم المزارع القريبة وطأة انعدام الخدمات لتأمين القوت لهم ولمواشيهم والتي تعتبر دخلهم الوحيد والذي يؤمنون منه قليل من الثلج المستقطب للقرية عبر سيارات تزور القرية في كل أسبوع يوم واحد مميز كبرودة الثلج وقليل من المواد الغذائية التي تجلب كل أسبوع مرة لمن تعنى للذهاب للأسواق الشعبية والتي يجب أن تستهلك سريعاً لانعدام أدوات التبريد ، ورغم انعدام الخدمات كالكهرباء وغيرها آن ذاك إلا أني وجدت فيها الآن متعة وسعادة وشعور لا أستطيع وصفه .
خشيت أني شردت قليلاً عن صورتي الذهنية ولكنه الحنين إلى الماضي وبساطته التي لا تفرق بين حر وعبد ولا أستاذ وتلميذ ولا سيد وراعي وكلهم يتشاركون همومهم وتكثر اجتماعاتهم تحت ظل واحد ويد رجل واحد .
وذلك اليوم كنت أجلس عند أحد الجيران أتلمس حاجة إحدى جداتنا التي تربطني بها قرابة بعيدة قليلاً لكنها عميقة في كل الأحاسيس والمعاني ، فكنت أشرف على أبسط احتياجاتها كإطعام مواشيها وسقايتها ومشاركتها بعض الوقت للحديث معها وعند انشغالي بتجهيز ماء للجدة لقرب حلول أذان الظهر إذْ بنا نسمع صراخ رجل ليس منا ببعيد ومعه جماعة من الأقارب يهرولون بسرعةً مع الرياح الموسمية الشديدة المصحوبة بالأتربة …!
فاستأذنت الجدة بالذهاب لمعرفة سبب هذا الاستهجان واستنفار الجميع …!
وصلت عندهم وسألتهم ..!
ما بكم !؟ عسى خير يارب !؟
قال الرجل المفجوع : طارت من يدي فلوسي ومنها خمسة آلاف ريال بعضها مصروفة وبعضها غير مصروفة …!
والجميع ذهبوا للبحث عنها في الأشواك الملتفة وسط الغبار الشديد وأعدكم (بأن من يلاقي شيئاً منها فإن له نسبة مما يجده ) جملة استنفرت الجميع من الموجودين وغير الموجودين ممن سمعوا بالخبر ، فانطلقت معهم ووقفت على أحد العقوم الترابية وجلست لعدم قدرتي على البحث في ظل شدة الغبار ولكني كنت أشاهد وأسمع .
منظر ومشهد لم أنساه ولم يمر مرور الكرام بل صور لي حقيقة الحياة الدنيا والتي جعلت هؤلاء الناس يستنفرون لجمع الزهور بين ألم الأشواك ، فذلك يصرخ قد جرحت قدمه قطعة زجاجة وذلك يطلب من أخيه يبعد الأشواك التي انغرست في كتفه وهو يقول وجدت خمسمائة ريال ، وقد حل الظلام ولم يتوقف أغلبهم عن البحث مستخدمين المصابيح والبعض يئس من العثور على باقي المبلغ وبعضهم عاد إلى البحث لليوم الثاني وذلك كان يزحف على بطنه لأنه رأى خمسة ريالات بين الأشواك ولم يكترث عما حل بلباسه الوحيد وسط حيرة مما أرى وذهول وكأني أسجل في ذهني بعضاً من الجمل التي لم يشاهدها أولئك الباحثون عن الزهور وسط الأشواك ورياح الأتربة الشديدة وقد ترون المشهد عادياً ويحق لكل شخص البحث عن مصادر رزقه وأمواله المرهونة بسجون الأشواك وسياط الغبار التي تكاد تقتلع العيون .
لكني تعجبت ممن يلهثون وراء الأموال أين كانت ومن أي مصدر تكون وغير مبالين عن حدود الله ..!
تعجبت ممن ضحوا بأجسادهم لطعنات الأشواك من أجل نيل مبلغ زهيد ولم يسمحون ببضع دقائق للوقوف بين يدي الله تعالى …!
تعجبت ممن طارت أفئدتهم مع المبلغ الطائر وتفطرت قلوبهم لصرخة الرجل على فقدان أمواله وهبت فزعتهم لجمعه سواء بربح أو إسداء جميل ولم تهب نخوتهم لجوع الجار وعجزه عن الحركة .
تعجبت ممن تركني واقفاً وحدي أصارع الرياح الشديدة أتلمس طريق العودة للبيت وذهب بجنون يبحث عن سراب وربح معه دماء تسيل .
وبالجانب الآخر رأيت أن بعد الأشواك زهور وبينها سياج يقص وتبنى بها منازل وتتدفأ بها الأجساد المبرودة وعليها صمغ عربي يداوي الكثير من العلل ، فحياتنا مليئة بكل الصور التي نستطيع أن نخلق منها السعادة والأجر والربح وبالصبر نصل لأعالي المطالب وبمخافة الله وتقواه نستطيع أن نصل لنيل خيري الدنيا والآخرة ، فأستطيع أن أسمي عنوان هذا المقال (في زهور الأشواك آيات) فأي العناوين ترونها أنتم ، فاليوم كلنا نستطيع التفكر والتأمل واسترجاع أخطائنا وتصحيحها وتنقية النوايا وبث روح الخير في كل تعاملاتنا وحياتنا وحتماً من عاش لله ومع الله نال خيري الدنيا والآخرة ، فربما غداً نكون في سجلات الراحلين ، أفلا تتفكرون …!؟ .

انتقل إلى أعلى