ولا زال الدين عائق:

 الحداثة الأوربية ربطت أنظمة الحكم في أوروبا بالعلمانية، وهذه الأنظمة كانت قائمة على فكرة تقسيم وتجزئة المناطق والدول والشعوب واستعمارها، والإذعان في سلب الخيرات والقتل والدمار والتجهيل؛ وهذا لم يعد خافيًا على شعوبهم كما أدركته الدول والشعوب المُستَعمَرَة، ولم تعد شعارات الليبرالية والديمقراطية (الحرية والمساواة) تنطلي على الشعوب، وفشل نظام فصل الدين عن الدولة في العلمانية، كان هذا أحد أهم أسباب فشل العلمانية وبالتالي نظام الحداثة.
 ونتيجة للثورات الصناعية والسياسية (التي بدأت آثارها تظهر بشكل واضح في أوروبا والأمريكتين في القرن التاسع عشر)؛ عكف علماء الاجتماع على دراسة التغيرات التي طرأت على حالات المجتمع والتأثيرات الأيديلوجية، فزاد الاهتمام بالنظريات والدراسات الاجتماعية لمعرفة ورصد حالة المجتمعات هناك، وما أحدثته الثورات الصناعية والسياسية من تغيرات في المجتمع، ونتيجة العلاقة المتشابكة بين العلمانية والديمقراطية والدين -كأحد التأثيرات- فقد خلصت إلى معرفة أسباب المقاومة الشعبية والخوف من طغيان العلمانية، ووجدت ثلاث أسباب رئيسة كانت تحول دون قبول المجتمع للعلمانية، أولها هو التناقض بين العدل والحرية والمساواة التي أعلنتها كشعار وما يشاهد ويطبق بالفعل سواء في بلدانهم أو في المستعمرات.
 أما العائق الثاني فإن الأنظمة الغربية اعتبرت العمال أحد مصادر الإنتاج، لتعيد الإقطاعية الاستبدادية والاستغلالية، الأمر الذي جعل الديمقراطية الليبرالية متناقضة بشكل واضح، ثم إن الحضارة الأوربية كانت مستندة على العامل المشترك الجامع بينها وهو قيم وروابط المسيحية، وتأتي هنا المعضلة والعائق الثالث المتمثلة في انحياز نظام الحداثة والرأسمالية إلى الفردانية المطلقة، على حساب الروح الجمعية وأصبحت السيادة والطغيان للمادة، مما هدد القيم المجتمعية فنشأت الضدية والمقاومة المجتمعية، نتيجة لانعدام الرابط الديني الذي كان يجمعهم.
 ويرى كارل ماركس أن الحداثة الأوربية والرأسمالية ستعطي قبلة الحياة للدين، بإعتباره وسيلة المقاومة والتعبئة،
 أما مكس فيبر فيرى أن قيم الديمقراطية الليبرالية مرتبطة باليهودية والمسيحية، وأن العلمانية الرأسمالية الغربية، ستزيد عدد الضحايا من الأقليات والشعوب ولم يكن لهم بد من العودة للتراث الديني كوسيلة ورابط مشترك للدفاع والمقاومة أمام الرأسمالية التي تفتقد القلب وتركز على العقل وهو التعويض الأمثل لاتخاذ الدين كرابط لهم وملجأ.
 فتحرك الباحثون والأكاديميون والمنظرون والفلاسفة مند منتصف القرن العشرين تقريباً، لإيجاد مخرج وحلول (جعلوا الأديان عائقًا) لتجاوز هذه العوائق.
 كل هذه العوامل أدت إلى الحاجة الملحة لنظام جديد تنزاح أمامه (برأيهم) كل العقبات والصعاب وتلافي القصور في النظريات ونظام الحداثة، ثورة راديكالية أقوى من الثورة الفرنسية، تستند على العدل والمساواة (على رأي كارل ماركس)، لكن كل التنظيرات والمحاولات السابقة والتي نتج عنها النظام العالمي الجديد (بعد الحداثة)، ستنتهي وتؤول إلى الفشل (فيما أرى)، لأن النظريات والاجتهادات السابقة لكل أنظمة الحداثة (الرأسمالية والاشتراكية والعلمانية والليبرالية والديمقراطية)، كانت تبدو مكتملة وجاهزة للتطبيق، لكنها في النهاية فشلت، وأستمر عدد من المهتمين بدراسة التأثيرات للنظريات الجديدة (الآنف ذكرها) على المجتمعات، فكان رصدهم دقيقا لما حدث، وأجاد في ذلك "براين ويلسون” في كتابه (الدين في سياق علم الاجتماع)، حيث أثبت فيه انكسار كل المحاولات لإسقاط الدين (المقصود كل الشرائع) واستبعاده فيزداد قوة، وسأحاول إن شاء الله في المقال القادم إيجازه لكم في نقاط محدودة، وإيضاح الطرق المختلفة التي تمكن فيها الدين من مقاومة العلمانية والتغلب عليها، مما يجعلنا نطمئن فدين الله باقٍ ويعلو ولا يعلى عليه.

 عبدالرحمن عون.

انتقل إلى أعلى