الوطنية مالها وما عليها

عندما نسمع عن كلمة الوطنية يتبادر في اذهاننا الذود عن الوطن وحماية مقدراته، والعمل على رفع شأنه في شتى المحافل محليًا أو اقليميًا، وهذا حقٌ مباحٌ يمارسه كل فردٍ مهما علا شأنه أو قل. إلّا أن فكرة الوطنية نشأت في الأساس في أوروبا قبل أن تُعرف في مكانٍ آخر، كردة فعل الشعوب الثائرة إزاء أوضاعهم التعيسة، التي كانت تُقّسم الناس إلى فريقين، فريق السادة وفريق آخر من العبيد كانوا يساقون كما تساق البهائم لا قيمة لهم، وقد ظهرت الوطنية من رحم تلك التناقضات والفوضى التي جعلت مجتمع الفقراء موحدًا يشكلون جميع الطوائف، وحدت صفوفهم ضد تلك الطبقة المخملية من رجال دين وحكومة، الذين تقاطعت مصالحهم في اذلال الشعوب واستنزافهم بغض النظر عن أعراقهم. 

والجدير بالذكر أن من ابتدع فكرة الوطنية هم اليهود إزاء تضررهم من أيديولوجية السادة والعبيد في ذلك العهد، كانت تنتهك حقوقهم وكانوا يُعاملون كطبقة متدنية مضطهدة، فوجدوا أن مساندة الفئة البائسة الثائرة على تلك الطبقة المخملية ذريعة لتخلصهم من البؤس، وتعطيهم الفسحة في تمزيق تلك القومية، وكسر شوكتها وتقسيمها إلى فسيفساء مسيجةً ضمن حواجز وهمية اسموها الأوطان، وزرعوا بينها الغام الخلافات ليتم تفجيرها عند الحاجة.  

وكانت انعكاسات تلك التقسيمات جليًا في الحرب العالمية الأولى والثانية، اشعلوا فيها الفتن بين الدول وقامت الحروب من أجل فكرة غبية كان من الممكن تفاديها وحلها بالتفاهمات، مات من أجلها أكثر من خمسين مليون نسمة في الحرب العالمية الثانية وحدها، وقد وظف ذلك الدمار اللوبي اليهودي لصالحه اقتصاديًا وسياسيًا، كان أحد نتائجه وعد بلفور المشؤوم الذي زُرع فيه الكيان الصهيوني في فلسطين لجعل مناطقنا دائمًا في نزاعٍ مستمر معه.

بيد أن كلمة الوطنية سطع استخدامها في البلدان العربية أكثر من غيرها كمصطلحٍ الهدف منه دمج الفرد كوحدة فاعلة تُكّون مجتمعًا صالحًا يبني الوطن في المقام الأول، ويدافع عنه ضد أي اطماع خارجية أو حتى خيانات داخلية هدفها التخريب، واعطاء صورة حسنة عنها والحفاظ على مقدراتها وخدماتها انطلاقًا من ثوابت الدين والعقل والحكمة.

غير أن الوطنية لدى البعض أخذت ذريعة للتعالي والتفاخر، وغدت لديهم سلاح للتفرقة لا للجمع، بل أنها اصبحت شعارات لدى هؤلاء الجهلة تُرفع هنا أو هناك خيلاء، يشوبه الفكر الهمجي وينتج عنه الاضطهاد، بدلًا من أن تكون مبدءًا حضاريًا  يُغرس في النفوس. نعم علمتنا مدارسنا حب الله ثم الوطن وأولي الأمر، هذا لا شك فيه في أن هذا المصطلح يعبر عن الوطنية بكل ما أوتي من فكر، ولكن حب الله هو أن الالتزام بتعاليمه ايجابيًا لا تخريبًيا نزولًا عند قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}. 

واستنادًا لقول سيد الأنام ﷺ {لا يؤمن أحَدُكم حتى يحب لأخيه ما يحبُّ لنفسه}، والأخوة هنا هي أخوة الدين والعقيدة، وهذا طبعًا لا يعطينا ذريعة في اضطهاد من لا دينون بديننا ويعيشون بين ظهرانينا تأسيًا بقول الله تعالى { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. وحب الوطن هو من مبادىء الدين الحنيف، وقد جاء في الكتاب والسنة الصحيحة، على أن الرباط في الثغور من الجهاد في سبيل الله داخليًا وخارجيًا، إذ يقول جل في علاه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وأردف سيدنا النبي ﷺ في ذلك، إذ قال: {رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتان}. 

هذا فكيف أن وطنًا يضم بين جوانحه قبلة المسلمين في العالم قاطبةً، وروضة من رياض الجنة تحتضن جسد سيد الأنام ﷺ العطر الطاهر بأبي هو وأمي، فالدفاع عن هذا الوطن هو الدفاع عن العرض والتولي عنه هو من الموبقات السبع والعياذ بالله. والجهاد من أجله يكون تحت رايةٍ اتفق عليه غالبية الشعب بمختلف طوائفه، لا ينازعه أحدٌ رأبًا من الدخول في فوضى لا يحمد عقباها كما نجم عن الخريف العربي الذي لا زالت آثاره تزهق الأروح لا راية فيه شرعيةً. وللأسف ساحات التواصل الاجتماعي تعج بهؤلاء الجهلة المتنطعون بالوطنية الذين يعكسون صورة ضارة يهاجمون الناس بغير مبرر شرعي، والأكثر صفاقة حينما تكون حساباتهم مرصعة بصورة الملك أو ولي العهد حفظهما الله، فالإساءة في حقيقة الحال هي اساءة لهذه الرموز، ويعاتب عليها.

فالدولة حماها الله لا تريد من أحد كائن كان التطبيل والتمجيد في كل محفلٍ دون داعي، بل ما يسرها حقيقة هو أن يلتزم الشعب بنصائحها وتشريعاتها، وأن يحافظ على الخدمات والمرافق ويستفيد منها بأقصى حد ممكن، وأن يبتعد عن الشكاوي ويكابد في الأسواق بجد واجتهاد لرفع شأن الوطن ولا ينتظر من البرامج المؤقته والتي في اعتقادي هي مسكنة للآلام لعدة اسباب لا يتسع المقام ذكرها هنا. فالدولة تُبنى بسواعد شعبها وليس العكس، ولذا تُقاس انجازاتها بالعائد الوطني الشعبي أي بما ينتجه المجتمع ليعكس على اقتصاد البلاد وهذا ما تصبوا إليه خطة ٢٠٣٠، تريد فردًا منتجًا يعكس انتاجه على العائد الوطني. 

نعم حبى الله هذه الدولة الفتية كنوز طبيعية في الأرض، ولكن في المقابل يجب استغلال هذه الامكانيات الاقتصادية في تحسين مداخل الفرد، ولا ينتظر أن يأتيه الرزق على طبقٍ  من ذهب، وهذا يُعد من الوطنية أو حب الوطن بأن يكون قيمة مضافة للمجتمع، لا أن يكون عالة يعتلف لا قيمة له. كما أن من أهم عوامل حب الوطن هو صيانة النفس والابتعاد عن تعاطي الممنوعات التي لا يأتي منها غير الضياع وتحطيم الجسد.

وأخيراً وليس أخرًا، النهي عن المنكر والأمر بالمعروف أساس من أساسيات المواطنة والوطنية، فقد قال سبحانه في ذلك؛ {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِۗ}. فالنهي عما يضر الوطن والمواطنين هو من واجبات كل مواطن، فالأمن والأمان أساسه المجتمع، وليس محصورًا على السلطات فقط. خلاصة الكلام أن لحب الوطن درجات، ودرجاته تزيد كلما تم الالتزام بتعاليم أولي الأمر واعانتهم.

 

بقلم : عثمان الأهدل ..

انتقل إلى أعلى