العمائم الفكرية

بين ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يكون، تقع مجموعة من الأفكار والتصورات والمفاهيم التي تأتي على هيئة قوالب فكرية جاهزة، ومن طرائفها العجيبة أنها مُعدة للتحضير في أي وقت، وصالحة لكل زمان ومكان، وتتميز أيضاً بأنها مغطاة بطبقة تمنع الهواء من الدخول إلى مساماتها، وليس ثمة مدخل أو متنفس للتجديد. قد تأتي هذه الطبقة على هيئة عمائم تحجب العقل، فلا يستطيع أن يرى النور..

ولعل أول ما يتبادر إلى ذهنك، عزيزي القارئ، تلك العمائم، التي يغطى بها الرأس من الخارج، فإن كنت قد فعلت ذلك فاستغفر لذنبك في تسطيح الأمر، وتأمل بعمق ووعي أكبر لهذا النوع المُلفت من العمائم، التي تحجب عقل الإنسان، بل إنها سبب كبير في تراجعه، وتخلفه على مر الأزمنة..

تلتف هذه العمائم على شكل مجموعة من التوجهات والآراء والمعتقدات، وعلى أساسها يميل ويتحيز البعض، لأنها توفر لهم الأجوبة على جميع التساؤلات الطارئة في قوالب فكرية جاهزة توفر عليهم عناء البحث والتثبت والدقة في الأمور، فلا يجدون سبيلاً لتحقيق مآربهم وسد عجزهم الفكري والثقافي والاجتماعي إلا أسلوب التعميم ..!

يعد التعميم آفة خطرة جداً تتلف الروح، وتلتف على العقل، وتختزل ملكات التفكير، التي ميز بها الله سبحانه وتعالى الإنسان عن سائر مخلوقاته. الكثير منا قد تورط في أسلوب التعميم كمخرج بشكل أو بآخر، والقليل منا قد عاد إلى مدخل التفكير والتدبر في الأمر، وتذكر ذات وعي أو ذات ندم بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. 
قد نحكم على منظمة كاملة بالفشل، بسبب مشكلة قديمة أو خطأ سابق أو مرض عارض تماثل للشفاء مع مرور السنين، وعادت الأمور على أفضل حال إلا في الذاكرة.
ولا يقتصر الأمر على المنظمات، بل إنه قد يمتد جغرافياً من دون أدنى مسؤولية ليتعدى إلى مناطق ودول، ما ينتج من ذلك تجاوزات وتراكمات وعوالق نفسية واجتماعية وثقافية أخرى، حتى تتداعى سائر العمائم، وهلم جراً. الغريب أن كل هذه الفوضى، التي يحدثها التعميم، في أصلها وجهة نظر فردية استباحها وأباحها فرد تلو آخر، حتى مجّدها المجموعة، 
وبذلك هي تخفف على الفرد الواحد عناء التحضير فيستلذ بها ..
وفي الوقت ذاته لا يعلم ماهية مكوناتها ولا الطريقة التي أُعدت بها وما إذا كانت صالحة للاستخدام من حيث تاريخ الإنتاج وتاريخ الانتهاء، فيكون على أهبة الاستعداد للوجبة الأخرى من دون أي أسلوب من أساليب العناء، والذي يجهل أنه قد يكون نوعاً من أنواع المتعة طالما أن الأمر يتعلق بالمعرفة..

ولا يمكن لمن يتناول تلك الوجبات العقلية الخطرة أن يتضور جوعاً لإجابة جديدة ورصينة وتدعو للبحث عن المزيد من الحقائق التي قد تعالج الكثير من التراكمات بمجرد أن يعطي للعقل فرصة ليتسلل نور البحث والمعرفة، لأن تلك العمائم عادة تكون محكمة الإغلاق على الأخضر واليابس من الأفكار.. ويا للعزاء !

بقلم : رهام مدخلي 
@Reham90md

انتقل إلى أعلى