القرآن منبع النحو والبلاغة.

بقلم : عثمان الأهدل  

اتعبوا الملحدون أعينهم يبحثون في كل آية لعلهم يجدون أخطاء بالقرآن لغويةً أو نحويةً بكل ما أوتوا من غباء، وفاتهم أن القرآن بزغ فجره قبل أن تعرف البشرية معنًا للنحو أو البلاغة الذي استنبطوا في الأساس تراكيبه اللغوية منه، والذي نزل على قريشٍ بلغتهم العربية القح مما جعلهم يتلذذون بفصاحته ومتانة تراكيبه اللغوية، حتى أن الوليد بن المغيرة رغم أنه كان موغلًا في الكفر فقد مدحه وقال؛ "أن له لحلاوة وأن عليه لطلاوة وأنه يعلو ولا يعلى عليه". ربما عامةً الناس في زمننا هذا لا يشعرون بذلك وقد يرون بعض كلماته طلاسم، وليس ذلك إلّا لأن الأغلبية منهم خيم عليهم الجهل ومنعهم من فهم لغته الراقية، ثم يأتي الذين يعبدون الله على حرفٍ يشككون في حسن فصاحته ليبرروا إلحادهم. 
 
بل أخذ منهم اليأس بأنهم يحتجون بكلمات استقطعوها من سياق الآيات التي قد تخضع لتأويل ولي الأمر بحسب حاجة المجتمع ووضع مقننات لها حتى لا يُساء فهمها وترجمتها ترجمةً خاطئة على واقع الحياة. وحقيقة الأمر أن الغالبية منهم ساقهم إلى الإلحاد حب الشهوات والبحث عن الإنحلال الخلقي الذي غرق فيه الغرب، وليس البحث عن القناعة والتثبت.

وما لا يعلمونه هؤلاء الفجرة أن الله سبحانه وتعالى انزل إلينا كتابه العظيم رحمةً بنا وكرّمنا بأن أنزله بلغتنا العربية، يحتوي بين دفتيه كنوز المعرفة، مكّن آباءنا من قيادة البشرية حتى وصلوا إلى تخوم الأباطرة في الشرق والغرب، ولولا تكابل الكفرة والمشركين على الإسلام وضعف جبهتنا الداخلية ضد المنافقين أمثالهم، لكانت المعمورة قاطبةً تذكر الله آنا الليل والنهار، ولَكَان القرآن تبيانًا وعلمًا وفكرًا يقود الشعوب إلى الهدايا نحو الإكتشافات العلمية والفكرية لرفاهيتهم، إذّ قال سبحانه {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً ورحمة وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.

وعدم الاجتهاد أكثر في تفسير آياته الإعجازية وبقاؤها باعتقادات وآراء مالم يعاصروا حاضرنا، جعلت الأمة تتخلف وتتقهقر فكريًا مما أعطت فسحة للمنبهرين ببريق الحضارة الغربية المادية، اللوك والتشكيك في مباديء الدين الحنيف وقدرته على التماشي مع العصر، ودفعت بعض محدودي الفكر يرفضون كل العلوم والاكتشافات التي تتعارض مع فهمهم المحدود لمقاصد القرآن لغويًا لبعض الشواهد العلمية. فنرى مجموعة من المتنطعين قاصري البصيرة عن مآلات كلماته، ينفون كروية الأرض مع أن كل الشواهد والدلائل تشير إلى كرويتها واضحةً كظهور الشمس في رابعة النهار، ليس ذلك فحسب، بل أن دواوين بعض علماء المسلمين أمثال ابن خلدون وابن تيمية وابن حزم وغيرهم الكثير من قدامى العلماء أكدت تلك النظرية مما لا يقطع الشك باليقين.

ولا يختلف الموقنون بالله أن الاكتشافات التي تنجزها الإنسانية منبعها جلها منه وحده سبحانه، شاهدًا على ذلك قوله: "عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"، [العلق..٥]. ومدد الله للإنسانية ليس له حدود باقٍ إلى أن يرث الأرض ومن عليها. وكما أن القرآن رسالة الله للبشرية جاءت لرفعة شأن الإنسان وحفظ كرامته، فإن الله جعل بين ثنايا آياته ما ينفعهم في دنياهم كما في آخرتهم، ووجوب التنقيب عن مكنوناته.

والركون والرضوخ لتأويلات من لم يدركوا واقعنا وطبيعة حاضرنا، ولا سيما في ظل التطور النوعي في الحياة التي وصلت إليها البشرية حتى تَعدت ما يُعد غيباً في زمنهم، كان له الاسهام الأكبر في ذلك التخلف. يقول الشيخ محمد الغزالي: "من حق العقلاء أن يمقتوا الدين وينبذوا تعاليمه يوم يكون الدين مرادفًا لجمود الفكر وقسوة الطبع وبلادة العاطفة ويوم يكون استيلاؤه على زمام الحياة عودة إلى الوراء وانتكاسة عن الجادة وتغييرًا لفطرة الله في النفس"، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، قال الشيخ الألباني عن فهم آيات القرآن أن المفسرين ابتعدوا نوعا ما عما أراد الله من البشرية أن تفهمه، ويضيف الشيخ الألباني أن هذا الانحراف ناجمٌ عن ضعف في فهم لغة القرآن السامية، والضعف في الأساس باللغة العربية القح. وهذا واضحٌ تمامًا في تأويل بعض الآيات خلاف المقصد الأساسي الذي أراده الله للبشرية، وقد ذكر مثالًا في الآية التي جاءت في قوله سبحانه؛ {لا يمسه إلّا المطهرين}، التي قصد الله بها الملائكة وليس البشر الذين هم في الأساس يوصفون بالمتطهرين، والمساس هنا هو مساسٌ معنوي وليس حسيًا، وهناك الكثير من المفارقات التي حرّفت المعاني. وبهذا الخلط في عدم فهم مقاصد الآيات القرآنية، فوتت الأمة على نفسها مكاسب جمة.

وما كان تقدم العلماء في زمن العباسيين في الطب والفلك، حتى استطاعوا أن يصلوا بالعلم إلى عباب السماء، كان أحد أسبابه طول فترة حكمهم المستقر مقارنة بواقعنا الذي يعج بالفوضى، مما شكل ذلك أرضية خصبة ساعد على رسوخ الفكر، إلى أن ركعت لهم الأمم في شرقي وغربي المعمورة، كما أن تحرر الفكر وانطلاقه بعد دراستهم للحياة وتبحرهم في فهم كلمات الله سبحانه وتعالى فهمًا حقيقيًا كان له الأثر الإيجابي الأكبر على الحضارة المادية التي اعتمدت على الحضارة الأخلاقية وفق سنة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام. 

وما يحدث الآن من تأخر وتدهور في الفكر وقبوعنا في مؤخرة الأمم، ناجمٌ عن انسلاخنا عن مبادىء الإسلام وعدم تطبيق شرائعه كما ينبغي، والذي جعل الأجيال بدورها بشتى مراحلها أن تبتعد عن الإرث الحضاري القيم والدسم الذي خلفته تلك الفئة العطرة، وفي المقابل أن الغرب أعادوا صياغة حضارتهم وفق ذلك الإرث الحضاري الذي تخلينا عنه وأصبحنا لا نبالي به إزاء الاستعمار البغيض الذي روج لفكرٍ بديلٍ منحط زينه بمساحيق الاغراءات والتحرر والذي لا زلنا نعاني من آثاره السلبية.

وينجلي لنا هنا عن مدى التعدي الصارخ الذي حدث على النصوص بتعطيلها حتى أصابت الأمة ببلادة وقتل روح الإبداع والتفكير، الذي بدوره عمل على زيادة اختلاف الرأي وزيادة الهوة بين المجتمعات، ولاسيما الأمور التي تخبر عن الاعجاز العلمي، والتي لا ينبغي الخوض فيها إلا لمن لديه سعة واطلاع في علوم الدنيا وما توصلت إليه البشرية من تقدم. وقد ذكرها الله كتحدٍ للبشرية يخبرهم بأنها من ربٍ عليم لا من بشرٍ محدود الفكر معانٍ، حيث قال سبحانه {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)}. [الذاريات].

وبما أن هذه الموسم هو موسم اليوم العالمي بالاحتفاء باللغة العربية، فإننا يجب أن ننوه بعظمة ودقة لغتنا السامية في رسم المواقف والمشاهد بالكلمات وكأنها لوحة معبرة قد تتفوق في وصفها على ريشة أعتى الفنانين براعةً. وما يبهجنا حقيقةً اهتمام هذه الدولة الفتية "السعودية" باعتنائها بكتاب الله العظيم وطباعته بشتى المقاسات والاشكال وتوزيعه عالمياً، ليس ذلك فحسب، بل أسست مجمعًا خاصًا باليوم العالمي للغة العربية، لتثقيف الأجيال القادمة وجعلها تهتم بلغتها، يأتي ذلك لكونها مهبط الوحي ومهد بزوغ فجر الإسلام. وأنا حقيقةً اُسجل اعتزازي بهذه الدولة العظيمة اعتزازًا لا يوصف، فقد ترعرعت وتربيت في كنفها، واستقيت من بحور علومها منذُ نعومة اظفري وحتى بلغت اشدي. حفظها الله ورعاها من كل مكروه.

انتقل إلى أعلى