قبل أن أموت !  

كتبها- صالح جريبيع الزهراني


يقول المثل الجنوبي : ( ذا ما نفعني في حياتي .. وش أبغى به بعد موتي ). 

بالأمس فقدنا رجلاً عزيزاً .. عاقلاً رزيناً .. مشهوراً متعففاً .. أدخل السرور إلى قلوب الناس من خلال ( سوالفه ) وحكاياته .. عرفته من خلالها .. ورافقني بصوته فقط في كل مكان .. يؤنس وحدتي أحياناً .. ويزجي وقتي في أحيان كثيرة.

مات الرجل البسيط المشهور محمد غانم الشمري .. لكن حضوره في أذهان الناس لم يمت .. ولن يموت .. ولم أكن أعرف وأنتم لا تعرفون أنه حساباته البنكية خاوية .. وأنه مديون .. لأنه باختصار لم يتحدث عن ظروف معيشته ولا عن ديونه ولا عن حاجته .. ولم يتاجر بشهرته كما يفعل الآخرون .. بل كان يخفي همومه ويظهر بسمته .. ليدخل السرور في قلوب الناس .. لقد كان باختصار رجلاً عربياً حراً بسيطاً ( يسولف ) لربعه وأحبابه دون أن يطلب منهم مقابلاً أو يشرح لهم ظروفه لأن نفسه الحرة تأبى ذلك .. فانتشرت مقاطعه بين الناس .. وأصبحوا يتابعونه .. ولأنه هكذا أحبه الناس .. وهذا ما يفسر سيل الرسائل والتغريدات والفيديوهات التي يترحمون فيها عليه ويدعون له. 


ما أزعجني .. وربما أزعجكم .. أن حملات جمع المال بدأت فور انتشار خبر وفاته .. مرة لأسرته .. ومرة كصدقة جارية عنه .. ومرة لبناء منازل ومدارس وحفر آبار باسمه في جزر الواق الواق .. ومرة لسداد دينه .. إلى آخر تلك الحملات التي لم أفسرها إلا بأنها استثمار واستغلال لموت هذا الرجل المشهور .. لتحقيق أهداف تبدأ بكسب السمعة والشهرة .. وتنتهي .. ربما .. بدعم جماعات متطرفة خارج الحدود .. ومن المؤكد وفي جميع الأحوال أن غالبية هذه الأموال ستمرُّ وتستقر في جيوب جامعيها .. إنه رقص (خيري) على جثة ميت. 


‏وقد تساءلت على تويتر مخاطباً إحدى تلك الجهات التي أعلنت بعد ساعات من موته عن نيتها بناء 150 منزلاً وبناء مدرسة ومركز صحي وحفر بئر في النيجر .. وتسجيلها باسمه .. ودعت السعوديين على وجه الخصوص للتبرع:

هل سددتم ديونه؟!
هل تفقدتم حال أسرته واشتريتم لأطفاله وزوجته منزلاً جديداً؟!
أليس الأولى بناء هذه المنازل في عرعر وطريف والجوف وسكاكا؟!
لماذا إفريقيا تحديداً؟!
هذا استثمار لموت المشاهير لجمع أموال لا يعرف مصيرها. 

والحقيقة أنه استثمار بشع لشهرة هذا الرجل .. في ملعب بعيد عن الأنظار .. وعن الرقابة والمحاسبة .. والأسوأ من هذا .. من وجهة نظري .. أنه حتى في حال تم بناء المشروع فعلاً .. فإن الفقراء والمتعففين الأقربين من محمد الشمري والذين يعرفونه ويعرفهم أولى من غيرهم .. وأن هذا العمل سيضاف إلى سيرة تلك الجهة الخيرية ويضاف لرصيد أعمالها .. ولكن بأموال المتبرعين. 


لهذا ينبغي الحذر من إعطاء الأموال بحسن نية لجهات غير رسمية .. وإذا كنتم حزينين على الفقيد ومتعاطفين مع أسرته فتبرعوا لهم مباشرة وضعوا أموالكم في حساباتهم .. أو عبر منصة إحسان حال الإعلان عن مديونيته .. وقد قرأت قبل كتابة هذا المقال عن تبرع الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز بنصف مليون ريال .. وطلب مني أحد الأمراء الكرام الذي لا يريد أن أذكر اسمه بقوله (يا أخوي إذا صار أي تبرع لبناء بيت لعياله أو تسديد ديون من جهة موثوقة ومسجلة رسمياً خبرني) .. وهكذا نحن الشعب السعودي الكريم قادة ومواطنين نسارع إلى الخير .. ولكن المهم معرفة أين نضع أموالنا. 


أخيراً .. وبالعودة للعنوان .. كنت أتمنى أن يكون أحد تفقد محمداً قبل أن يموت .. فأصلح حاله وأسعده في حياته .. ولكننا اعتدنا على جهل ظروف بعضنا (وتطنيش) سؤال أصحابنا عن أحوالهم في الحياة .. وبمجرد أن يموت أحدهم ( نفزع ) له كالجن من كل مكان .. أكثرنا بصدق ونية طيبة .. وبعضنا لمجرد الظهور ( والهياط ) .. وبعضنا مع الخيل يا شقرا .. ولكن للأسف .. كلنا أتينا بعد فوات الأوان. 

صحيح أن مساعدة أسرة الميت عمل طيب وأجره كبير بإذن الله .. ولكن الجميع افتقد شيئاً كبيراً .. شيئاً كبيراً حقاً .. لأنه لن يرى البسمة ولا دموع الفرحة ولا ملامح الامتنان والشكر على وجه صاحبه أبداً .. فتفقدوا أصحابكم وأقاربكم وساعدوهم في الحياة قبل أن يحول بينكم الموت.

 

 

انتقل إلى أعلى