التحول الرقمي وتقنية الميتا فيرس.

 

تخيل أنك تجتمع مع من تحب دون الحاجة لوجودك فعليًا بجواره، وتستطيع أن تحدثهُ وقد يصل الحال بأن تشعر بأنفاسه وملمسه، أو قد تزور والديك وتبر بهما أو قد تصل رحمك افتراضيًا، وكأنه أقرب للواقع والحقيقة. و من منا لم يشاهد أفلام الخيال العلمي أو الحروب الإلكترونية مثل فلم المدينة المظلمة Dark city، و فلم المصفوفة The matrix وغيرها من الأفلام ذات البيئة الرقمية، نشاهد هذه الأفلام للتسلية، ولكن أن تكون جزء من حياتنا فهنا تستحق وقفة لنعرف حقيقة الأمر مع مارك زكربرك رئيس شركة فيس بوك. 

ضجت وسائل الإعلام المتخصصة في التكنولوجيا أو التقانة كما يحلو لمحبي اللغة العربية تسميتها، ظهر مارك زكربرك مؤسس ومدير شركة فيس بوك قبل أيام يتحدث عن صيحة جديدة يكون فيها لشركته السبق، يتحدث عن حياة رقمية ستجعل شبكة الانترنت الحالية أثرًا بعد حين بشكلها الحالي، كما يروج له الإعلام، أُطلق عليها ميتا فيرس. فالحقيقة أن تصريحات بعض الإعلام بشتى مشاربه شبه ضبابية وغير واضحة ولا توصل الفكرة كما ينبغي حتى اختلطت الأمور على البعض. 

ففكرة الميتا فيرس ليست وليدة الحدث، هي نتيجة خيال علمي يتم انتاج أفلام وثائقية عنها على شكل قصص بين آونة وأخرى، فالكثير منا قد شاهدها، ولكن أن تفرض نفسها على واقعنا الحقيقي في حياتنا فهذا سبق يغير من طبيعة ومنهج سوق العمل، تستحدث فيه وظائف لم تكن في الحسبان، وفي المقابل تُلغى وظائف أصبحت تقليدية، بل أنها ستنشأ شركات متخصصة، على غرار شركة IBM العالمية التي خُلقت من ورائها شركات، مثل شركة ما يكروسوفت عام ١٩٧٥م عندما طور بل جيت نظام تشغيل الحاسوب الشخصي ليعمل على أجهزتها، وظهور العديد من الشركات في أمريكا والشرق الأقصى على حس ذلك المنعطف، حتى ظهر مصطلح عُرف بـ"متوافق مع أي بي إم" IBM compatible ، أصبح يتم تداوله في سوق الحواسيب بشكل ملحوظ.

ومن الحكمة في ظل هذا الحدث أن تستعد الدول ووزاراتها للعمل لإعداد أجيال تستطيع أن تتفاعل مع هذا النوع من الأنشطة، بدلًا من الاعتماد على خبرات خارجية لملء الفراغ، وذهاب اقتصادياتها لشعوب أخرى. ففكرة ميتا فيرس لن تكون حِكرًا لشركة فيس بوك، بل أنه سيتم التعامل معها كمنصة عامة، وربما قد تغدو قاعدة ربط إن صح الاعتقاد مع تقنيات مشابةً. الحكم في ذلك سابق لأوانه، ولكن يجب دراسة خدماتها بدقة، حتى نكون مستعدين وقادرين للتعاطي معها باحترافية. 

و لفهم هذه التقنية، تقنية الميتا فيرس أكثر وازالة الضبابية حولها يجب أن نفرق بين بيئة المحتوى الرقمي الذي تم تطويرها عليه وبين شبكة الانترنت. فشبكة الإنترنت هي الركيزة الأساسية لأعمال التحول الرقمي، فبدونها لَمَا كان لمواقع الويب وجود من الأساس، فشبكة الانترنت هي البنية التحتية الأساسية في أعمال التحول الرقمي، بل أنها ستتغير تقنيًا عما هي عليه بطريقة أخرى لتغدو أكثر سرعة، فالآن هناك تقنية حديثة تستخدم تقنية البلوكشين تلوح في الأفق، قد لا يكون مصطلح البلوكشين، هذا، مصطلحًا مألوفًا لدى الكثير من عامة الناس.

وللتوضيح عن تقنية البلوكشين blockchain، هي عبارة عن تقنية تتكون من كتل رقمية متسلسلة ومترابطة على شكل شبكة متداخلة ومشفرة، وهذا النوع من التشابك يلغي فكرة المركزية المعمول بها حاليًا. ويساعد كثيرًا في عمل الميتا فيرس والتي تعتمد في تقنياتها على الرسوم المعقدة التي تحتاج إلى شبكة فائقة السرعة. الميتا فيرس فعليًا ستخلق لنا حياة موازية لواقعنا الذي نحياها بحياة افتراضية أخرى تزيد من الكفاءة وتقلل من التكاليف على مستوى الفرد والمنظمات في آنٍ  واحد. فتخيلوا جامعة الملك سعود مثلًا بمبانيها الضخمة وتكلفتها التشغيلية التي قد تتجاوز المليارات سنويًا، يتم استبدالها بمباني افتراضية داخل أجهزة الخوادم وبتكاليف قد لا تتجاوز الـ 20٪ إن لم أُبالغ؜. نعم قد تكون فكرة مجنونة ولكن في عهد الميتا فيرس قابلة للتطبيق. 

عالم الأعمال يحتاج إلى مستثمر شجاع وقائد واسع الخيال مجنون في أفكاره، مثل أيلون ماسك صاحب شركة تيسلا وشركة سبيس اكس وغيرها من الأفكار المجنونة. وها هو مارك زكربرك يأتينا بفكرة قد تقلب موازين الحياة، فكرة حياة موازية لحياتنا في واقع افتراضي. فمتى يكون لنا السبق ونقود الأمم كسابق عهدنا في العلم والسياسة والاقتصاد. يحزنني حقيقةً عندما تنجح فكرة استثمارية في وطننا العربي و تبدأ تشق طريقها إلى النجومية يتنازل أصحابها عنها بكل سهولة إزاء الاغراءات الغربية، بهذا الفعل تضعف قوتنا الاقتصادية التي قد تجعلنا نتحكم بالأسواق العالمية في يومٍ ما إن أبقينا ملكيتها في أيدينا وطورنا غيرها. 

وصندوق الاستثمارات العامة جاءت فكرته في الوقت المناسب كحاضنة أعمال يعمل على توطين التقنيات وسد الفراغ الذي أحدثه بيع بعض المستثمرين جهودهم الاستثمارية للغرب. ولا يخفى على الكثير أن هذا الصندوق أحدث فارقًا ملحوظًا لمكانة السعودية في عالم الأعمال، حتى غدت مهوى المستثمرين والشركات العالمية، ولا شك أن السعودية ستحتل مكانة دولية في امتلاك التقنية بجانب امتلاكها زامام الانتاج العالمي للنفط بخطوات حثيثة، وفي القريب العاجل بإذن الله إن استمرت على نفس المنوال. فهل سنشهد فعلًا تمردًا على الحياة التقليدية و نخطوا بخطوات شجاعة ذكية نحو العالمية ؟ هذا سؤال يحتاج إلى اجابة .. 

لا شك أن كل تغير في اساليب الحياة يصاحبه اختلالات صحية لا نعلم ما مداها ولكنها لن تخرج عن كونها أمراض نفسية أو جسدية، بما أن حياة وأنشطة الناس ستكون ضمن سياج الحياة الافتراضية التي ستحدثهُ هذه التقنية، لذا يجب أن تُعقد مؤتمرات وتتم أبحاث طبية لدراسة الآثار الجانبية التي قد تنجم عنها دون حسبانٍ . فكل شيء في هذه الدنيا لا يأتي ببلاش كل شيء له ثمن، وقد يكون ثمنًا باهظًا إن لم يُعد له الإعداد المناسب. وفي نهاية المطاف هي تقنيات لابد التعامل معها أو نغدوا خارج المنظومة الدولية ونخسر الكثير.

 

بقلم : عثمان الأهدل …

انتقل إلى أعلى